عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

68

معارج التفكر ودقائق التدبر

والاستدراج العادل يكون بوضع أشياء في طريق السّالك مما يحبّ ويشتهي ، فكلّما تناول ما أمامه منها وجد بعدها أشياء مماثلة يحبّها ، أو أكثر منها إغراء ، فيتابع في طريقه رغبة في أن ينالها ، وهكذا حتّى يجد نفسه قد سقط في الفخّ ، ونزل به العقاب وهو لا يعلم أنّ فخّ العقاب منصوب له في مكان ما من طريقه الّذي اختاره لنفسه بإصرار ، بعد أن وجّهت له النّصائح والتّحذيرات ، بأن لا يسلك هذا الطريق ذا العواقب الوخيمة . هذا إذا كان الاستدراج في سبل الضلالة ، ونظيره يكون في صراط الهداية ، ولكنّ اللّه لم يسمّه في القرآن استدراجا ، بل هو توفيق ومعونة ، وزيادة في الهدى ، وتيسير ، وحلاوة إيمان يمنحها اللّه عزّ وجلّ للسّالكين المؤمنين على طريق مرضاة ربّهم . وخصّ اللّه عزّ وجلّ في القرآن الاستدراج بالنّوع الأوّل ، للتفريق بين النوعين المتشابهين في الجنس العامّ لوسائلهما . مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ : أي : من مكان لا يعلمون أنّهم يستدرجون بأشياء وضعت فيه ، لتركهم على حرّيّاتهم يتابعون مسيرتهم بمقتضى أهوائهم وشهواتهم ، حتّى تدمغهم الإدانة بأوفى وأكمل صورها . فإذا نزل بهم عقاب اللّه العادل ، لم يجدوا عذرا يعتذرون به عند ربّهم ، ولا تكون دعواهم حينئذ إلّا أن يقولوا : إنّا كنّا ظالمين ، معترفين لربّهم بأنّهم عصوه ، وخالفوا أوامره ونواهيه ووصاياه ، ولم يعبؤوا بتحذيراته وإنذاراته ظالمين أنفسهم بالاستهانة بحقّ اللّه عليهم . قول اللّه تعالى : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) : يقترن بالاستدراج الذي سبق بيانه وتحليل عناصره ، للّذين كذّبوا بآيات اللّه ، أن يملي اللّه لهم ، أي : أن يرخي لهم الحبل ، فتزداد حرّيّة حركتهم في الحياة ، وأن يمهلهم ويؤخّرهم بإطالة أعمارهم .